المستشار محمد سمير | يكتب لقاضي أون لاين عن رؤية حول نظام الانتخابات الرئاسية الأمريكية

273
0

مع قرب حلول موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكيه دوماً ما تتجه أنظار العالم قاطبة لتلك الانتخابات كحدث يعد هو الأهم في مجال السياسة الدولية لما للولايات المتحدة من ثقل بالغ في ميزان القوة العالمي.
وقد شغل العالم مؤخراً بالمنافسة المحتدمة بين مرشحة الحزب الديموقراطي هيلاري كلينتون (Hillary Clinton) ومرشح الحزب الجمهوري دونالد ترمب (Donald Trump) وهما بالتأكيد الأوفر حظاً من باقي المرشحين مثل (جين ستاين) عن حزب الخضر و (روبرت دافيد ستيل) عن حزب الإصلاح الأمريكي ، باعتبار أن كلينتون – ترمب ينتميان للحزبين الأكبر في دولة يحكمها منذ إعلان الاستقلال وحتى الان نظام حزبي بما يسمى Two plus parties)) أي حزبين مهيمنين على الساحة السياسية بجوارهما بعض الأحزاب الصغيرة غير ذات ثقل يسمح بفرض مرشحها أو منحه فرصة قوية في المنافسة على مقعد البيت الأبيض.

نعرض فيما يلي رؤية مبسطة حول منظومة الانتخابات الرئاسية الأمريكية والتي تعد وبحق منظومة فريدة لاتتشابه مع غيرها من نظم الانتخابات المتعارف عليها فالناخب الأمريكي لا يختار رئيسه مطلقاً وانما يختار مجموعة من الأشخاص بقومون عنه باختيار الرئيس ، وفيما يلي بعض المعلومات حول تلك الانتخابات …

1) موعد الانتخابات الأمريكيه هو الثلاثاء 8 نوفمبر 2016 ، وهي الانتخابات الرئاسية رقم 58 منذ إعلان الاستقلال (Declaration of Independence ) في عام 1776 ومن سيفوز بها سينصب الرئيس رقم 45 للولايات المتحدة لمدة 4 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة مماثلة في حالة إعادة إنتخابه مرة أخرى. وطبعاً فارق الرقمين بين 58 و 45 يرجع بالضرورة لأن هناك رؤساء تم انتخابهم مرتين متتاليتين ومنهم الرئيس الحالي باراك أوباما. وأول رئيس للولايات المتحدة كان جورج واشنطن 1789وهو الرئيس الوحيد المستقل عن أي حزب في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية ، وكل من أتوا بعده كانوا حزبيين.

2) تعرض عدد أربعة رؤساء أمريكيين للاغتيال أثناء مدة توليهم منصب الرئيس وهم أبراهام لينكون وجيمس جارفيلد ووليم ماكينلي وجون كينيدي ، بينما إستقال رئيس واحد من منصبه عبر تاريخ الولايات المتحدة وهو الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون (Richard Nixon) على خلفية فضيحة تجسسه على مقر الحزب الديموقراطي والتي فجرها الصحفي السياسي الأشهر بول وولفويتز فيما عرف بفضيحة ووترجيت (Watergate) 1974.

3) شهدت الانتخابات العامة الأمريكية تناقصًا ملحوظًا في نسب المشاركة منذ الستينات وحتى عام 2004. ففي عام 1960 كانت نسبة المشاركة 62.8% من عدد الناخبين. هذه النسبة ظلت تقل حتى بلغت 49% فقط في انتخابات 1996 و 50.3% في انتخابات 2000. ولكن نسبة الحضور الانتخابي ارتفعت في 2004 لتصبح 55.7%. نسبة المشاركة في آخر انتخابات رئاسية أجريت في عام 2012 كانت 54.9% من إجمالي عدد الناخبين. مع العلم بأن الولايات المتحدة الأمريكية تأخذ بنظام (Registered voters) أي أن الناخب لا يكون له صوت إلا بناء على طلبه بعد توافر الشروط واكتمال السن القانونيه بعكس ما تأخذ به مصر من نظام (Eligible voters) والتي تعني القيد التلقائي بسجلات الناخبين متى تم المواطن سن 18 سنة ميلادية وعيب النظام الأخير أنه يجعل الجمعية الناخبة ضخمة للغاية ولايعكس صورة حقيقية لها فالكثير من المواطنين يتم قيده بالسجلات دون أن تكون له رغبة فعليه في المشاركة في الحياة السياسية مما يجعل دائماً نسبة المشاركة تبدو ضئيلة إذا ماقورنت بنظام ال (Registered voters).

4) ينتخب في تلك الانتخابات رئيس ونائب رئيس للولايات المتحده وبحسب التعديل رقم 22 للدستور الأمريكي يحظر على الرئيس الحالي باراك أوباما التقدم للانتخابات باعتبار أن أقصى مدة يسمح بها لرئيس الولايات المتحدة هي 8 سنوات مقسومة على فترتين.

5) نظام الانتخابات الرئاسية الأمريكي يعد أحد أعقد النظم الانتخابية في هذا الخصوص فلا ينتخب الشعب رئيسه بل من يتولى انتخاب الرئيس هو المجمع الانتخابي لكل ولايه (Electoral College) وهو ما يعرف باسم الديموقراطيه غير المباشرة. وباختصار شديد فإن الدستور الأمريكي وتعديلاته أرقام 12 ، 22 ، 23 نظمت عملية اختيار الرئيس ونائبه ويشترط فيها ان يكونا مواطنين أمريكيين لا يقل عمرهما عن 35 عاماً وأن يكونا قد ولدا على أرض أمريكية ومن المقيمين بالولايات المتحدة لمدة 14 عاماً على الأقل.

– يتولى كل حزب وضع أليه محددة لاختيار مرشحيه فيما يعرف بالانتخابات التمهيدية (Primary Elections) وعادة ماتتم عن طريق اختيار مندوبين للحزب في جمعية عامة يتولوا انتخاب المرشحين المحتملين على مستوى الولايات كلها والفائز يكون هو المرشح الحزبي للرئاسة ويتولى بدوره اختيار نائبه ويتم دخولهما الانتخابات العامة معاً أي أن المرشح الرئاسي ونائبه إما أن يكسبا معاً أو يخسرا معاً.

– يتم انتخاب أعضاء المجمع الانتخابي (Electoral College) لكل ولايه من الولايات الخمسين بالإضافة إلى واشنطن العاصمة التي يتم معاملتها هنا كولايه مستقله باعتبارها العاصمة ليصبح لدينا 51 مجمع انتخابي ويشترط ألا يكون اي منهم من أعضاء الكونجرس ويساوي عددهم عدد أعضاء مجلس الشيوخ والنواب الفدراليين لكل ولاية على حده (وهو ما يسمى بالوزن النسبي لكل ولايه) وباجمالي عدد 538 عضواً عبارة عن 535 من كل الولايات الخمسين وثلاثة من واشنطن العاصمة ، ويتولى أولئك الأعضاء اختيار الرئيس الأمريكي ونائبه وطبعاً غني عن البيان هنا أن من يرغب في الترشح لعضوية المجمع الانتخابي يكون قد قدم تعهداً لأهل ولايته بمن الذي سيقوم بانتخابه كرئيس في حالة فوزه بعضوية المجمع الانتخابي.

من الجدير بالذكر هنا أنه- في كل الولايات وكذلك في واشنطن العاصمة – عدا ولايتي مين ونبراسكا ( Maine and Nebraska) – يتم اختيار أعضاء المجمع الانتخابي بطريقة تشبه الانتخابات بالنظام الفردي عندنا بحيث يحصل الفائز على مقعده في المجمع الانتخابي دون النظر إلى نسبة التصويت أي أن من يحصل على 50% +1 يفوز بالمقعد منفرداً.

– بعد انتخاب أعضاء المجمع الانتخابي لكل ولاية يتولون بدورهم انتخاب الرئيس ونائبه ويفوز من يحصل على الأغلبية المطلقة للأصوات 50% +1 ، وفي حالة عدم حصول أي مرشح على الأغلبية المطلقة تنتقل هنا سلطة اختيار الرئيس إلى مجلس النواب الأمريكي من بين الثلاثة مرشحين الذين حصلوا على أعلى الأصوات في المجمعات الانتخابيه وهو ما حدث مرتين فقط في تاريخ الولايات المتحدة. الأولى كانت في انتخابات ١٨٠٠ والتي فاز بها في (توماس جيفرسون) ليصبح الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية. والمرة الثانية حدثت في ١٨٢٤ والتي فاز بها (جون آدمز) في مواجهة (أندرو جاكسون) ليصبح الرئيس السادس للولايات المتحدة.، بينما يتم اختيار نائب الرئيس عن طريق مجلس الشيوخ من بين أعلى إثنين مرشحين حصلوا على أصوات المجمعات الانتخابية.

6) يجتمع كافة أعضاء المجمعات الانتخابية في عواصم ولاياتهم في يوم الإثنين الذي يعقب الأربعاء الأول من شهر ديسمبر حيث يدلون بأصواتهم ثم ترسل بعد ذلك أصوات الهيئة الانتخابية إلى واشنطن، حيث يتم فرزها في يناير من العام التالي خلال جلسة مشتركة للكونجرس بغرفتيه.

7) الولايات الست صاحبة التأثير الأكبر وفقًا لعدد مندوبيها في المجمعات الانتخابية هي: كاليفورنيا (٥٥ صوتًا) – تكساس (٣٨صوتًا) – فلوريدا (٢٩ صوتًا) – نيويورك (٢٩ صوتًا) – إيلينوي (٢٠ صوتًا) – بنسلفانيا (٢٠ صوتًا) بمجموع ١٩١ صوتًا أي ما يزيد عن ٣٥٪ من إجمالي عدد الأصوات في المجمع الانتخابي.

8) طبعا هذا النظام الانتخابي المعقد له اسبابه وجذوره التاريخيه والتي يمكن الاشارة اليها باختصار اذا نظرنا لتاريخ دولة الولايات المتحدة والتخوفات العديدة التي صاحبت إعلان الاستقلال 1776 بقيادة توماس جيفرسون ما بين تغول سلطة الدولة المركزيه على الولايات وبين الخوف من التفكك السياسي والديموغرافي مرة أخرى ومن ثم جاء الدستور الأمريكي والتعديلات اللاحقة عليه لمحاولات التوازن بين قوة الجذب المركزية وقوة الطرد الانفصالية إن صح التعبير.

9) لايوجد نص دستوري يلزم المرشحين بإجراء أية مناظرات علنيه ولكن جرى العرف في تلك الانتخابات على إجراء ثلاثة مناظرات علنيه بين مرشحي الحزبين الكبيرين وواحدة بين مرشحي نائب الرئيس ، وتجرى عادة في قاعة أحدى الجامعات.

10) الحقيقة أن المتابع للمناظرات التي جرت بين كل من مرشحة الحزب الديموقراطي (هيلاري كلينتون) وبين منافسها عن الحزب الجمهوري (دونالد ترمب) والتي تابعها أكثر من 90 مليون أمريكي والتي عقدت أولاها في قاعة جامعة هوفسترا بنيويورك ، أن (كلينتون) ركزت في مناظرتها على ابراز فشل (ترمب) في ادارة أعماله الخاصة وتبنيه مواقف عنصرية فضلاً عن عدم دعمه فرض ضرائب على الأغنياء ، وعلى صعيد أخر كان جل اهتمام (ترمب) التركيزعلى فضيحة استخدام البريد الإلكتروني الخاص بكلينتون أثناء عملها كوزيرة للخارجيه في مراسلات لها طابع السرية فضلا” عن سلبيات الإدارة الأمريكية الحاليه المحسوبة على الحزب الديموقراطي سواء على مستوى الأمن القومي أو العلاقات الدوليه أو التهديدات الإرهابيه المحتمله ونمو التطرف بما أنتج داعش في منطقة الشرق الأوسط فضلاً عن استفحال العنصريه من قبل ممارسات الشرطة الأمريكيه حالياً قبل الملونيين رغم أن الحزب الديموقراطي هو الحاكم حالياً فضلاً عن توقيع اتفاقية التجارة عبر الأطلسي والتي يراها (ترمب) كارثية على الاقتصاد الأمريكي وانتقاده بشدة الصفقة السياسيه مع إيران.

11) لابد هنا من توضيح أن تلك المناظرات تستهدف بالضروره فئة المواطنين الذين لم يحسموا أمرهم بعد فهناك من يصوتون ديموقراطياً أو جمهورياً بصورة مستمره لاعتبارات عدة وهناك تلك الفئة التي لا تحسم أمرها قبل الانتخابات مباشرة وأولئك هم من تستهدفهم تلك المناظرات بصورة أساسية.
ومن المفارقات الجديرة بالذكر أن الولايات المتحدة التي بح صوتها في مناداة دول العالم وخاصة النامية منها بتمكين الشباب يتنافس على رئاستها اليوم مرشحان أولاهما (هيلاري كلينتون) ذات التسعة وستون عاماً وثانيهما (دونالد ترمب) ذو السبعين عاماً !
وأخيراً فإنه في ضوء قيام كل مرشح باستخدام أسلحته المشروعة منها وغير المشروعة فنجد كلينتون تتمتع بكونها أول إمرأة يمكن أن تصبح رئيسة لأمريكا فضلاً عن استخدامها ما ينسب إلى ترمب من عنصرية بغية كسب الأصوات نجد أن ترمب يركز على سلبيات الحزب الديموقراطي الحاكم حالياً داخلياً ودولياً فضلاً عن الملف الأمني والتهديدات الإرهابيه المحتملة ،،، ورغم أن العديد من المراكز البحثية ذات الصلة ترجح كغة كلينتون إلا أن المفاجأت واردة بل أنه من المتوقع أن تشهد الانتخابات الأمريكية الحاليه بعض أعمال العنف والشغب ، في جميع الأحوال لن تحسم نتيجة الإنتخابات إلا في المجمعات الإنتخابية.

المستشار / محمد سمير
مدرس النظم السياسية والقانون الدستوري المقارن والمدرس الزائر بجامعات الولايات المتحدة الأمريكية

Share on FacebookEmail this to someoneShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedInPin on PinterestPrint this page

اترك تعليق