دولة الحق والقانون ؟ بقلم : جورج اسحق

101
0

دعانى صديقى الأستاذ محمد أوجار وزير العدل بالمغرب إلى «المؤتمر الدولى الأول حول العدالة» المقام من 2 إلى 4 إبريل الماضى بمراكش ويقام المؤتمر تحت شعار «استقلال السلطة القضائية بين ضمان حقوق المتقاضين واحترام قواعد سير العدالة»، فى إطار الاحتفال بالذكرى الأولى لتنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالمملكة المغربية وما تلى ذلك من إقرار لاستقلال النيابة العامة ونقل تبعيتها إلى القضاء بدلا من وزارة العدل.

والمعروف عن أستاذ أوجار أن له باعا كبيرا فى مجال حقوق الإنسان والعدالة حيث كان وزيرا سابقا لحقوق الإنسان فى المغرب، كما عمل مندوبا دائما للمملكة لدى مكتب الأمم المتحدة فى جنيف. حضر المؤتمر ممثلون عن وزارات العدل من نحو 80 دولة وحضر 1500 مدعو آخرين منهم ممثلون عن مجالس عليا للقضاء ورؤساء نيابات عامة بالإضافة إلى منظمات وهيئات حقوقية ومهنية وخبراء وأكاديميين من عدد من الدول. كما حضر من مصر رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى المستشار مجدى أبوالعلا. واستمر الحوار فى المؤتمر نحو 3 أيام عمل زاخرة بالمناقشات الهامة فى مجالى حقوق الإنسان والعدالة. بجانب النقاش حول محاوراتهم تطور استقلال السلطة القضائية فى عالم متغير، وأهمية استقلال القضاء وإنماء القدرات المؤسسية لمنظومة العدالة.

ومن المعلومات الهامة التى توقفت عندها أثناء المؤتمر أن 30 % فى سلك القضاء بالمغرب من النساء، وأن النساء يمثلون فى القضاء فى المغرب منذ سنة 1967.

***

فى حين أن فى مصر ــ على سبيل المثال لا الحصر ــ حازت أمنية جادالله (26 عاما) على المرتبة الثانية فى دفعتها بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، ودبلومتين فى القانون العام والتجارة الدولية بتقدير عال. تسلحت أمنية بدرجاتها العلمية المتميزة وبمعرفتها بالدستور والقوانين التى تتيح تولى المرأة مناصب قضائية. لكن، على الرغم من ذلك منعت أمنية وزميلات لها من سحب ملفات وظائف قضائية فى 30 يناير 2014، لأنهن نساء.. فلم يسمح لها ولزميلتها بالتقدم لوظيفة مندوب مساعد فى مجلس الدولة، المعلن عنها فى الصحف، على الرغم من أن الدستور الجديد يعطيها الحق بالتقدم للوظيفة. فالمادة 11 تتضمن إلزاما للدولة بتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة فى جميع الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتولى الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا والتعيين فى الجهات القضائية من دون تمييز. كذلك أكدت المادة 53 أن المواطنين أمام القانون سواء من دون النظر إلى أى اعتبار، وأن التمييز والحض على الكراهية جريمة يعاقب عليها القانون. ولجميع المواطنين فى المادة 14 من الدستور، الحق فى تولى الوظائف العامة على أساس الكفاءة من دون محاباة أو وساطة، وجميعها بنود لا تقبل التأويل حول أحقية المرأة فى تولى المناصب القضائية. ولكن أين نحن من تطبيق الدستور؟!!

وإذا كان العالم يتخذ خطوات جدية نحو ضمان استقلال القضاء فنجد أن النظام المصرى صدق فى إبريل الماضى على تعديلات أقرها البرلمان على قانون السلطة القضائية الذى أثار غضب عدد من القضاة. وتمنح التعديلات الجديدة الرئيس الحق فى اختيار رؤساء الهيئات القضائية، وهو ما رفضه نادى القضاة لما رأى فيه مخالفة للدستور وانتقاصا من استقلال القضاء. فى المقابل، يصر برلمانيون على أن القانون يرسخ حقهم الدستورى فى التشريع وسن القوانين.

***
رجوعا إلى المؤتمر فقد أضاف المسئولون، من ضمنهم وزراء العدل ورؤساء المجالس العليا للقضاء، أن هذه الإصلاحات التى شرع فيها المغرب، ومن ضمنها نقل السلطات على النيابة العامة من وزير العدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة، وإرساء استقلالية النيابة العامة، من شأنها تغيير نظرة المواطنين تجاه عدالتهم وتعزيز سمو القانون ودولة الحق.

وفى المؤتمر طرحت قضايا كثيرة مثل حق دولة القانون وكيفية تفعيل استقلال القضاء، وكيفية مراعاة حق المتقاضين ووضع ضمانات لهم حتى يصبح القانون هو المرجع الوحيد للفصل فى النزاعات والقضايا. ولهذه النوعية من المؤتمرات أهمية بالغة على صعيد مختلف الأنظمة القضائية التى تسعى إلى تعميق دورها فى صون الحقوق والحريات وفى ترسيخ الأمن القضائى اللازم للدفع بعجلة التنمية وحماية المجتمع، كما يشكل مثل هذه المؤتمرات فرصة سانحة للمشاركين على اختلاف أنظمتهم القضائية لتشخيص ما يعترضهم من تحديات وتقديم ما يرونه من إجابات شافية وحلول مبتكرة لمواجهتها.
وناقش المؤتمر أيضا موضوع الحرية والشفافية والمواطنة لضمان الحريات العامة، والتأكيد على أن يثق المتقاضون فى أن القضاء يتمتع باستقلال تام.

واختتم المؤتمر بإصدار إعلان مراكش، الذى دعا من خلاله المشاركين إلى ضمان تفعيل استقلال السلطة القضائية فى الممارسة والتطبيق بما يحقق تعزيز الثقة فى القضاء باعتباره الحصن المنيع لدولة القانون، وطالبوا بمواكبة إصلاح أنظمة العدالة للتطورات العميقة التى يعرفها العالم المعاصر، وتحديث التشريعات لتواكب مستجدات العصر، وملاءمتها للالتزامات الدولية، خاصة منها ذات الصلة بحقوق الإنسان. كما أكد إعلان مراكش على أهمية ضمان الاستقلال الإدارى والمالى للمجالس العليا للقضاء، وأكدوا أيضا على تنمية آليات التعاون بين السلطة القضائية وباقى السلطات، بما يخدم مصلحة سير العدالة، فى احترام لمبدأ فصل السلطات وضرورة توازنها وتعاونها، مؤكدين على دور النيابة العامة كمؤسسة حيوية تسهر على تطبيق القانون والدفاع عن الحق العام ومكافحة الجريمة وتنفيذ السياسة الجنائية، مع الاستفادة من تجارب مختلف الأنظمة فى مجال استقلال النيابة العامة.

كما أوصوا بمواجهة تحدى التحول الرقمى للعدالة من خلال تحديث خدمات الإدارة القضائية، والتوظيف الأمثل للتكنولوجيات الحديثة للإعلام والتواصل فى مجال العدالة.

وختاما طالب الحضور فى المؤتمر بمدونة سلوك لتأكيد حيادية القضاء ومراعاة سلوكهم فى الحياة العامة. وأن القيمة الوحيدة هى البحث عن الحقيقة وتحقيق العدالة فالعدل ركن الحضارة.

نتمنى أن يعقد مؤتمر عن العدالة فى مصر يهدف إلى تحقيق الدولة المدنية الحديثة التى نحلم بها جميعا.

الشروق

Share on FacebookEmail this to someoneShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedInPin on PinterestPrint this page

اترك تعليق