أهم الأخبار

قراءة قانونية في سرية جلسات المحاكمة | بقلم د.أيمن سلامة

0

تُعد العلانية من الموضوعات الاجرائية المهمة التي أولاها القانون الدولي وتحديدا المواثيق الدولية لحقوق الانسان ، ومنها العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966 الاهتمام الأكبر، حيث تعد علانية جلسات المحاكمة ضمانة يتمتع بها خصوم الدعوي الجنائية ، خصوصا المتهم ، كما تحقق العلانية الرقابة علي عمل السلطة التي تباشر المقاضاة مما يبعدها عن التحيز والمحاباة ، وهذا يضفي الاطمئنان في نفوس المخاطبين بأحكام القانون ، ولا سيما خصوم الدعوي الجنائية .

 في ذلك السياق يثير قرار رئيس محكمة شمال جنايات القاهرة بجعل بعض جلسات محاكمة القرن – محاكمة مبارك و أخرين – سرية ، فضلا عن حظر النشر في هذه الجلسات العديد من المسائل القانونية ، خاصة أن المشير حسين طنطاوي وزير الدفاع السابق في مصر من المقرر أن يدلي بشهادته اليوم أمام المحكمة وللمرة الثانية ، فضلا عن تصريح رئيس المحكمة المهم في هذا الشأن ، بأن المحكمة ستسمح بنشر بعض الشهادات السابقة التي أدلي بها في جلسات سرية أيضا .

إن السرية تعني منع الجمهور من حضور جلسات المحاكمة ، وهذا المنع إما أن يكون بنص القانون، أوبقرار من المحكمة بناء علي منحها هذه السلطة من قبل القانون بذلك ، الا أن هذه السرية قد تكون جزئية، كما هو حاصل الأن في محاكمة القرن ، و يمكن أن تقتصر السرية علي اجراء واحد أو أكثر من اجراءات الدعوي مثل سماع شاهد مثلا، كما تقتصر السرية علي منع بعض الأفراد من حضور الجلسات ، الا أن السرية لا تنصرف الي المتهم أو دفاعه، أوالشهود ،أو المحامين المترافعين وغير المترافعين ، حيث لهم الحق دائما في حضور الجلسات ، فالسرية تنصرف إلي الجمهور فقط.

يعد حظر النشر لجلسات المحاكمة اجراءا وجوبيا تبعيا لسرية جلسات المحاكمة ، بيد إن حظر النشر المترتب علي السرية يعد استثناءا علي الأصل فيجب ألا يتم التوسع فيه ، و بذلك فانه لا يرد الا علي الاجراءات التي تتخذ بعد صدور قرار المحكمة بجعل الجلسات سرية ، لذلك فقد نص قانون العقوبات المصري في المادة 189 علي : ” الحظر لا يشمل موضوع الشكوي أو نشر الحكم ” .

لقد حصرالمشرع المصري الأسباب التي تستطيع المحكمة بموجبها أن تقرر سرية المحاكمة ، حيث حصرتها المادة 268 من قانون الاجراءات الجنائية لسببين اثنين: الأول مراعاة النظام العام ، والثاني : المحافظة علي الأداب .

إن اصطلاح النظام العام ومثله الأداب والتيجعلت منهما معظم التشريعات الوطنية أسبابا للسرية ،هما مصطلحان يتسمان بالسعة والمرونة ، ويتداخل المصطلحان فيما بينهما في كثير من الحالات حتي يظهر أن أحدهما عنصرا من عناصر الآخر.

و بالرغم من غموض مصطلح النظام العام والأداب إلا أن بعض الفقهاء يعرفون النظام العام بأنه مجموعة الاسس التي يقوم عليها كيان الجماعة ، سواء كانت هذه الأسس سياسية أواقتصادية أو مالية أواجتماعية .

لا شك أن مفهوم النظام العام يمتد ليشمل حماية مصلحة العدالة ، وهي ذات الغاية التي جاءت العلانية من أجل الوصول اليها ، فاذا كانت العلانية من شأنها الاضرار بسير العدالة فان النظام العام يقتضي الحد من هذه العلانية .

إن ابعاد العلانية وتقرير السرية لا يكون الا لمصلحة عامة أعلي منها ، علي هذا فاذا تبين من ملابسات الدعوي ، ومما دار في الجلسات السرية من مرافعات ان فرض السرية لم يكن له ما يبرره ، كانت الاجراءات التي تمت في الجلسات السرية باطلة ، و هذا البطلان يتعلق بالنظام العام ، لان المصلحة التي تفوت نتيجة انتهاك مبدأ العلانية لا تخص الخصوم وحدهم ، بل تتصل في المقام الأول بحسن سير العدالة .

و ختاما، فان ما يمكن اعتباره من النظام العام في مجال الحد من علانية الجلسات متروك لتقدير المحكمة تزنه بميزان المصلحة العامة للمجتمع و الدولة .

أونا

شاركنا رأيك