العراق : اعتماد الغرامة كعقوبة تمثل رادعاً لإصلاح الجاني وتكون خاضعة لاجتهادات القاضي

37
0

 

نظراً للتغيير الكبير في قيمة النقد العراقي فان الغرامات الواردة في  قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 والقوانين الأخرى أصبحت وفق القيمة الجديدة لا تحقق غاية عقوبة الغرامة والمتمثلة بالردع عن ارتكاب الفعل المضر بالمجتمع مما دعا إلى تشريع قانون رقم 6 لعام 2010 بغية تعديل الغرامات الواردة بقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة1969

لتتلائم والفائدة المرجوة من ذلك القانون ولتسليط  الضوء على موضوع عقوبة الغرامة والوقوف على دورها في ردع المخالف عن ارتكاب الجريمة وتأثيرها عليه بما يتناسب مع إيجاد مجتمع واعي وملتزم بحقوق الجميع  ارتأى المركز الإعلامي للسلطة القضائية لتبيان أهمية وفاعلية موضوعة الغرامة والمستجدات التي طرأت عليها من خلال اللقاء بعدد من المختصين

قاضي محكمة جنح الكرادة السيد علي سامي السهيل أوضح بان الغرامة تفرض على المخالف في قضايا الإساءة للممتلكات العامة وقضايا السب والشتم وقضايا تحرير الصكوك بدون رصيد وغيرها من القضايا التي تندرج ضمن جرائم الجنح منوهاً بان مبالغ الغرامة المنصوص عليها في قانون العقوبات هي مبالغ قليلة لا تتناسب مع الجريمة المرتكبة داعيا في الوقت نفسه الجهات المختصة  بما فيها وسائل الأعلام للمساهمة في نشر الثقافة القانونية بين أوساط المجتمع بهدف توعية المواطن لضمان تحقيق فكرة الغرامة المتمثلة بردع الجاني وإصلاحه للحيلولة دون عودته الى ارتكاب الجريمة .

وأضاف السهيل ان “العقوبة تشكل نذير للآخرين اذ تحملهم على التفكير بما ينالهم من الم وأذى إذا أقدموا على ارتكاب الفعل المخالف للقانون فالأصل في القانون الجنائي هو قوة التنفيذ والتأثير في المجتمع حيث تعتبر عقوبة الغرامة من العقوبات الأصلية المنصوص عليها في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل وبين السهيل بان المشرع العراقي وجد انه من الضروري تشريع قانون جديد لتعديل مبالغ الغرامات فقد اصدر القانون رقم 6 لسنة 2008 قانون تعديل الغرامات الواردة بقانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل والقوانين الخاصة الأخرى والذي نشر في الجريدة الرسمية الوقائع العراقية بتاريخ 5/4/2010 وقد نصت المادة الأولى من القانون المذكور بان يلغى القرار 206 لسنة 1994 وهذا القرار يتضمن تعديل الغرامات الواردة في قانون العقوبات وقد نصت المادة الثانية بان يكون مقدار الغرامات المنصوص عليها في قانون العقوبات حيث ان الغرامة في المخالفات أصبحت مبلغ لا يقل عن خمسين ألف دينار ولا يزيد عن مائتي ألف دينار وفي الجنح مبلغ لا تقل على مائتي الف دينار و واحد ولا تزيد على مليون دينار والغرامة في الجنايات مبلغا لا يقل عن مليون دينار ولا يزيد عن عشرة ملايين دينار وقد نصت المادة الثالثة منه على ان تنزل المحكمة مبلغ خمسين ألف دينار عن كل يوم يقضيه المحكوم عليه في التوقيف وإذا كانت الجريمة معاقب عليها بغرامة فقط فعلى المحكمة عند عدم دفع مبلغ الغرامة ان تحكم بالحبس على المحكوم عليه بمعدل يوم واحد عن كل خمسين ألف دينار من مبلغ الغرامة على ان لا تزيد مدة الحبس في كل الاحوال عن ستة أشهر

ولفت القاضي بان ” المحكمة تراعي بذلك  حالة المحكوم عليه المالية والاجتماعية وما استفادة من الجريمة او كان يتوقع الاستفادة منها وظروف الجريمة “وهل هو من اصحاب السوابق ام لا.

 

عقوبة الغرامة وتاثيرها على الحاكم والمحكوم

الباحثة الاجتماعية الست ميسم الطائي والعاملة في احد السجون الإصلاحية كان لها رأي أخر من وجهة نظر نفسية واجتماعية فـي عقوبة الغرامة وتأثيرها ــــــــعلى المحكوم قالت ”  أنّ التوجه لتطبيق عقوبات الغرامة لخدمة المجتمع هو أحد الحلول الناجحة لحل مشكلة التكدس في السجون داعية الى التوسع في تطبيق عقوبة الغرامة في الحكم عــــلى القضايا وخاصة قضايا الجنح والمخالفات والتي عادة ما ترتكب بسبب جهل المـــــواطن بالقوانين والانظمة لما للغرامة من اثار ايجابية لكل الأطراف وأضافت ان الغرامة توفر الجهد والمال وتختصر عدة حلقات إدارية روتينية ، فبمجرد دفع الغرامة المترتبة على المحكوم فانه سيسهل على المسؤولين في السجون عملية نقل الموقوفين إلى المحاكم، والتي تحتاج إلى الجهد والمال، وللحــــفاظ على كرامة ونفسية المخالف وستره وتابعت الحديث هنا يكون عن المخالف (المتهم) الذين يقعون في الجرم للمرة الأولى، مشيرة إلى أنّ سجن المخطئ أحياناً يترك في نفسه آثاراً نفسية واجتماعية واقتصادية، ما قد يغيّر من سلوكه بعد خروجه هذا اذا ما علمنا ان ارتفاع نسبة الجريمة ما بعد عام2003 وأبرزها القتل والسرقة والمخدرات والأخلاقيات عـلى الرغم من أنّ إدارة السجون تسعى لتأهيل النزلاء عن طـريق متخصصين نفسيين واجتماعي فبالتالي تكون الغرامة اخف وقعا على المحكوم عليه وأسهل عملا على الحاكم

وتؤكد الطائي ان من خلال تماسها المباشر بالسجناء ان تنوع الآثار السلبية التي تتعرض لها أسرة السجين من طلاق وخلع وانحراف للأبناء وفقر، بالإضافة إلى نظرة المجتمع لمن يسجن، كما لا يمكن إغفال قضية، انتفاء هيبة السجن لدى الإنسان وتزايد الشعور بالبطالة وعدم وجود العمل مما يولد لديه اللجوء للجريمة لتأمين بعض احتياجات حسب رايها .

 

الغرامة المالية هي عملية تهذيب لإنسانية الإنسان

ويرى الناشط المدني والإعلامي شمخي جبر بان القانون هو احد مؤسسات الضبط الاجتماعي في أي مجتمع ، ويمارس القانون عملية تقويم وتعديل لسلوك الأفراد من خلال مواده التي تفرض سلوكا معينا يوحد الايقاع السلوكي للأفراد فيتم إنقاذ المجتمع من أية نشازات سلوكية تؤثر سلبا على السلوك الاجتماعي وبالتالي تحافظ على وحدة المجتمع وحقوق الافراد فيه ،وبما ان الاصل في العقوبة كما يرى فقهاء القانون هو إصلاح الجاني للحيلولة دون عودته الى الإجرام ولا تهدف العقوبة مهما كان نوعها الى كسر إنسانية الإنسان او النيل منها بل هي عملية تهذيب لإنسانية الانسان ، كما تهدف العقوبة الى ردع الاخرين لان العقوبة نذير للاخرين .

والغرامة كأحد انواع العقوبة التي يفرضها القانون هي عملية تخفيف عن الجاني اذا كانت العقوبة غرامة مالية وتشدد عليه اذا كانت العقوبة مثلا السجن مع الغرامة ، ويلزم القانون مراعاة المحكمة في تقديرها للغـرامة اوضاع البلد الاقتصادية فضلا عن اوضاع الجاني ، فهي لا تهدف الى تعجيز الجاني والقوانين بجميع اوجهها وموادها تهدف الى حماية المجتمع من الخارجين عليه  والدفاع عن وحدته ، وعلى المجتمع ان يدافع عن تطبيق القانون لأنه يحمي الضعفاء من الأقوياء ويحمي الأسوياء من المنحرفين .

وتقع على وسائل الإعلام مهمة كبيرة في الإشارة دوما الى أهمية الحياة القانونية والإشارة الى ان جميع جزاءات القوانين وعقوباتها لا تستهدف الفرد والمجتمع وإنما تهدف الى حمايتهما .

وقد اكتشف الناس ووصلوا الى قناعة ان الحياة دون قوانين او ضوابط ومؤسسات قانونية لا يمكن أن تطاق ، بل ستصبح فوضى ، وإذا كان البعض يشعر ان القانون يحد من حرياته او يتدخل في سلوكه ، فأنه يحد كذلك من سلوك وحرية من يستهدف حريات الآخرين وسلوكهم .

فالغرامة التي يفرضها القانون لا تهدف إلى مكاسب اقتصادية للمؤسسة القانونية بل هي نوع أخر من عملية الضغط على الجناة والخارجين على القانون ، وهي أخف انواع العقوبات.

شاركنا رأيك