حيث أن المادة ( ١٩٧ ) من الدستور نصت على ان ” النيابة الادارية هيئة قضائية مستقلة تتولى التحقيق فى المخالفات الإدارية والمالية، وكذا التى تحال إليها ويكون لها بالنسبة لهذه المخالفات السلطات المقررة لجهة الإدارة فى توقيع الجزاءات التأديبية ” .
قراءة فى الفتاوى الصادرة بشأن إختصاص النيابة الإدارية بتوقيع الجزاءات بقلم المستشار إسلام إحسان
وحيث إن المادة ( ٦٠ ) الفقرة الثانية من قانون الخدمة المدنية نصت على ان ” النيابة الادارية تتولى التحقيق فى المخالفات الأخرى التى تحال إليها ويكون لها بالنسبة لهذه المخالفات السلطات المقررة للسلطة المختصة فى توقيع الجزاءات والحفظ ”
و حيث إن المادة ( ١٢ ) من القانون رقم ١١٧ لسنة ١٩٥٨ بشأن النيابة الإدارية نصت على أن ” إذا رأت النيابة الإدارية حفظ الأوراق أو أن المخالفة لا تستوجب توقيع جزاء اشد من الجزاءات التي تملك الجهة الإدارية توقيعها أحالت الأوراق إليها.
ومع ذلك فللنيابة الإدارية أن تحيل الأوراق إلى المحكمة التأديبية المختصة إذا رأت مبررا لذلك.
وفي جميع الأحوال تخطر الجهة الإدارية التي يتبعها العامل بالإحالة.
وعلى الجهة الإدارية خلال خمسة عشرة يوما من تاريخ إبلاغها بنتيجة التحقيق أن تصدر قرارا بالحفظ أو بتوقيع الجزاء.
فإذا رأت الجهة الإدارية تقديم العامل إلى المحكمة التأديبية أعادت الأوراق إلى النيابة الإدارية لمباشرة الدعوى أمام المحكمة التأديبية المختصة.
ويجب على الجهة أن تخطر النيابة الإدارية بنتيجة تصرفها في الأوراق خلال خمسة عشر يوماً على الأكثر من تاريخ صدوق قرار الجهة الإدارية ” .
و حيث انه عقب صدور دستور عام ٢٠١٤ ، و قانون الخدمة المدنية عام ٢٠١٦ تصدت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى و التشريع بمجلس الدولة بناء على طلب الجهات الإدارية المختصة للإفتاء بشأن كيفية تطبيق المادة ( ١٩٧ ) من الدستور و ممارسة النيابة الإدارية الإختصاص المستحدث بشأن إصدارها قرارات الجزاء و الحفظ فى القضايا التى باشرت التحقيق فيها ، و أصدرت الجمعية فى هذا الصدد عدد من الفتاوى منها على سبيل المثال لا الحصر
{ الفتوى رقم 680 لسنة 2023 بتاريخ فتوى : 2023/05/09 و تاريخ جلسة 2023/03/22 و رقم الملف : 58/1/742 ، الفتوى رقم 161 لسنة 2023 بتاريخ فتوى : 2023/01/28 و تاريخ جلسة : 2023/01/11 و رقم الملف : 58/1/747 ، الفتوى رقم 129 لسنة 2020 بتاريخ فتوى : 2020/01/21 و تاريخ جلسة : 2019/12/25 و رقم الملف : 58/1/557 ، الفتوى رقم 1494 لسنة 2018 بتاريخ فتوى : 2018/11/15 و تاريخ جلسة : 2018/10/24 و رقم الملف : 86/4/1965 }
و حيث إن خلاصة المبادئ التى استقرت عليها الجمعية فى افتاءاتها المتتالية هى :-
١ . الاختصاص المقرر فى المادة ١٩٧ بشأن سلطة النيابة الإدارية في توقيع الجزاءات على الموظف العام معلق نفاذه على صدور قانون ينظم مباشرة النيابة لهذا الإختصاص.
٢. عدم مشروعية إنشاء لجان التأديب التظلمات بالنيابة الإدارية لإنشائها بموجب قرار من المستشار رئيس هيئة النيابة الإدارية دون سند من القانون، و من ثم انعدام القرارات التأديبية بالجزاء او الحفظ التى تصدر عن تلك اللجان .
٣. يختص المستشار رئيس هيئة النيابة الإدارية وحده دون سواه بإصدار قرارات الجزاء و الحفظ ، و ذلك فى المخالفات المحالة الى النيابة الادارية من جهة الإدارة للتحقيق فيها ، و لا يجوز ان يفوض هذا الاختصاص الى اعضاء النيابة الإدارية.
و حيث إنه كان من المستقر عليه فقهاً و قانوناً و إفتاءً و قضاءً أن تفسير نص القانون مشروط بألا يكون فيه خروج على عباراته أو تشويه لحقيقة معناه ، فإذا كانت عبارة النص واضحة الدلالة فلا يجوز الأخذ بما يخالفها أو أن يصدر قرار بتقييدها أو يزيد عليها ، لما في ذلك من استحداث لحكم جديد مغاير لمراد المشرع عن طريق التفسير والتأويل بما لا تحتمله عباراته الصريحة الواضحة ، وأنه لا مجال للإجتهاد مع وضوح تلك العبارة أو البحث في حكمة التشريع ودواعيه إلا عند غموض النص أو وجود لبس في مفهوم عباراته إذ لا عبرة بالدلالة مقابل التصريح ، و أنه يتعين الرجوع إلى نص القانون و إعماله على الواقعة المطروحة في حدود عبارة النص ، و أن تفسير نصوص القانون يكون بإعتبارها وحدة واحدة تتساند في معانيها متضافرة في مراميها يكمل بعضها بعضاً بما لا ينفلت معها متطلبات تطبيقها أو يحيد بها عن الغاية المقصودة منها .
و حيث إنه بإنزال ما تقدم على الموضوع محل البحث و التمحيص ، فإنه لما كانت المادة ( ١٩٧ ) من الدستور نصت على ان للنيابة الادارية السلطة المقررة للجهة الإدارة فى توقيع الجزاءات التأديبية. و هو ذات ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة ( ٦٠ ) من قانون الخدمة المدنية ، فإنه يبين من ذلك بجلاء ان الدستور و القانون اناطا بالنيابة الإدارية مباشرة الإختصاص باصدار قرارات الجزاء و الحفظ ، و من ثم فإن قصر مباشرة ذلك الاختصاص على معالى المستشار رئيس هيئة النيابة الإدارية وحده دون غيره من باقي أعضاء النيابة الإدارية يعد تخصيص لأحكام الدستور و القانون بغير مخصص و تقييد لعمومية النصوص التشريعية المار ذكرها بغير مقيد .
و حيث إن ما نصت عليه المادة ( ٦٠ ) من قانون الخدمة المدنية من ان النيابة الادارية يكون لها السلطات المقررة للسلطة المختصة فى توقيع الجزاءات ، هو افصاح من المشرع عن نصاب الجزاءات التى يجوز للنيابة الإدارية توقيعها ، و لا ينصرف بأى حال من الأحوال الى ان المختص بممارسة هذا الاختصاص هو رئيس هيئة النيابة الإدارية وحده دون غيره على اعتبار انه يعادل السلطة المختصة بجهة الإدارة إذ لو شاء المشرع قصر ممارسة الاختصاص على معالى رئيس الهيئة وحده لما اعوزه النص على ذلك صراحة ، بل إن ذلك التفسير لا يستقيم ابدا مع نص الدستور و القانون من ان اسناد الاختصاص للنيابة الإدارية ككل و ليس لرئيس الهيئة .
و حيث ان المادة ( ١٩٧ ) من الدستور حددت وظائف النيابة الإدارية فى التحقيق، و رفع و مباشرة الدعاوى التأديبية، و الطعن على الأحكام الصادرة في هذه الدعاوى، و توقيع الجزاءات التأديبية ، و بالرجوع لأحكام القانون المنظم لعمل النيابة الإدارية رقم ١١٧ لسنة ١٩٥٨ المعدل بالقانون رقم ١٢ لسنة ١٩٨٩ يبين انه خلا من بيان كيفية مباشرة النيابة الإدارية لهذه الوظائف.
و اكتفى بالنص على ان رئيس هيئة النيابة الإدارية يترأس أعضاء النيابة بمختلف درجاتهم فنيا و اداريا و يصدر القرارات المنظمة لمباشرة النيابة أعمالها، و قد استقر العمل منذ عقود طويلة فى النيابة الإدارية حالها حال النيابة العامة على ان يصدر النائب العام او رئيس هيئة النيابة الإدارية التعليمات الفنية و القرارات المبينة لكيفية مباشرة اعضاء النيابة لاعمال وظيفته كل في مجال اختصاصه.
و لذلك فان كيفية التحقيق و كيفية سؤال الشهود و المخالفين و استدعاءتهم للتحقيق و إجراءاته المختلفة لجمع الأدلة و اعداد الأوراق للتصرف النهائي ، و كيفية رفع الدعوى و مباشرتها و فحص الاحكام الصادرة فيها و الطعن عليهآ ، كلها بلا استثناء تنظمها التعليمات الفنية التى يصدرها رئيس الهيئة ، و لم يصدر بتنظيمها ثمة قانون ، و هو ذات ما اتبع فى شأن مباشرة اختصاص النيابة بتوقيع الجزاءات.
اذ صدر قرار من رئيس الهيئة بتنظيم تلك الوظيفة شأن سائر الوظائف الاخري التى تختص بها النيابة ، فما قرار لجان التأديب الا مجرد تنظيم داخلى لأعضاء النيابة الادارية الذين أسند لهم وظيفيا مباشرة هذا الاختصاص و تم اصداره بذات الأداة التى تنظم سائر وظائف النيابة الادارية الاخري ، و لا وجه لاستثنائها من القواعد المنظمة لسير العمل الفنى فى النيابة .
و حيث ان قانون الخدمة المدنية صدر عام ٢٠١٦ و نص فى المادة ( ٦٠) على ان النيابة توقع الجزاءات فى المخالفات المحالة إليها، و قد صدر لاحقا على صدور الدستور عام ٢٠١٤ ، فاذا كان ما نص عليه القانون غير كاف لتطبيق المادة ١٩٧ فان مقتضى مأل ان ذلك القانون ناقص او قاصر ان يشكل ذلك شبهة اغفال تشريعي نسبى كانت تستوجب إحالة المادة ٦٠ للمحكمة الدستورية العليا .
و حيث أنه من المقرر كذلك انه اذا تبين ان نص القانون السابق صدوره قبل صدور الدستور يتعارض مع الدستور اللاحق فإنه لا يطبق القانون المخالف و انما يحال للمحكمة الدستورية العليا
( المادة ١٢ من القانون ١١٧ لسنة ١٩٥٨ هى السند فى ان جهة الإدارة تصدر القرار بعد انتهاء النيابة من التحقيق تتعارض مع المادة ١٩٧ من دستور ٢٠١٤) بما كان يقتضي إحالة تلك المادة الى المحكمة الدستورية ، لكن لم يتم ذلك ، الا انه مازالت المادة ١٢ معمول بها ، على سند من ان المادة. ( ٢٢٤) من الدستور نصت على ان القوانين السابقة على الدستور يعمل بها حتى تعدل ، و قد رأى جل من كبار فقهاء القانون الدستورى فى هذا الصدد ( د. سعد عصفور ، د..مصطفي أبوزيد فهمى ، د. محمد باهى و غيرهم ) ان الحكمة من ذلك افساح وقت معقول أمام البرلمان لإجراء التعديلات اللازمة بعد صدور الدستور و ان ذلك الأجل لا يتصور ان يستمر لما يزيد على عقد من الزمن ، و فى كل الأحوال يعرض القانون المخالف على الدستورية لتقرر ما تراه فى هذا الصدد .