بقلم رصاص .. المستشار / أحمد رزق – رئيس النيابة الإدارية يكتب عن قانون الغدر ما له و ما عليه

220
0

اثار قانون الغدر الصادر بالقانون رقم 334 لسنة 1952و المعدل بالقانون 173 لسنة1953 م في الفترة السابقة لغطاً قوي في الأوساط القانونية و القضائية و بين أفراد الشعب الذين سار همهم الأول محاكمة الرموز السياسية السابقة و انقسم المهتمين بالقانون إلى فريقين .. فريق يؤيد إعادة أحياء قانون الغدر و تطبيقه

و يرون فيه الحل الأمثل في محاكمة الرموز السياسية السابقة و إبعاد أعضاء الحزب الوطني عن الحياة السياسية و الانتخابات القادمة .. و فريق يعارض إعادة تطبيق القانون و يعيبون عليه عدم الدستورية و القانونية و عدم صلاحيته للاستخدام حاليا .. و إذ نسعى لإبراز ذلك الخلاف و تبسيطه ليكون سهل الفهم للجميع لاسيما مع تغير المجتمع المصري بعد الثورة و رغبة و حماس كافة فئات الشعب في المشاركة الفعالة و الحقيقة في الحياة السياسية بمصر ..

نظرة عامة على القانون

بنظرة عامة على مواد القانون يتبين لنا أن قانون الغدر مكون من 9 مواد نوجز كل منها فيما يلي:

حددت المادة الأولى مفهوم مرتكب جريمة الغدر بأنه كل شخص كان مكلفا بخدمه عامة أو له صفة نيابية عامة سواء كان وزيرا أو موظفا عاما أو عضوا في أحد مجلسي البرلمان أو أحد المجالس البلدية أو القروية..

كما حددت المادة الإطار الزمني للجريمة بأنها الأفعال التي ارتكبت بعد أول سبتمبر سنة 1939..

و حددت الأفعال التي تشكل الفعل المادي للجريمة و هي

‌أ.······ كل عمل ما من شأنه إفساد الحكم أو الحياة السياسية بطريق الإضرار بمصلحة البلاد أو التعاون فيها أو مخالفة القوانين..

‌ب.· استغلال النفوذ للحصول لنفسه أو لغيره على وظيفة في الدولة أو وظيفة أو منصب في الهيئات العامة أو أية هيئة أو شركة أو مؤسسة خاصة أو للحصول على ميزة أو فائدة بالاستثناء من القواعد السارية في هذه الهيئات..

‌ج.·· استغلال النفوذ للحصول لنفسه أو لأحد من يمتون إليه بصلة قرابة أو مصاهرة أو حزبية على وظيفة في الدولة أو وظيفة أو منصب في الهيئات العامة أو أية هيئة أو شركة أو مؤسسة خاصة أو للحصول على ميزة أو فائدة بالاستثناء من القواعد العامة السارية في هذه الهيئات.

‌د.···· استغلال النفوذ بإجراء تصرف أو فعل من شأنه التأثير بالزيادة أو النقص بطريق مباشر أو غير مباشر في أثمان العقارات والبضائع والمحاصيل وغيرها أو أسعار أوراق الحكومة المالية أو الأوراق المالية المقيدة في البورصة أو القابلة للتداول في الأسواق بقصد الحصول على فائدة ذاتية لنفسه أو للغير.

‌ه.···· كل عمل أو تصرف يقصد منه التأثير في القضاة أو في أعضاء أية هيئة خولها القانون اختصاصا في القضاء أو الإفتاء.

‌و.···· التدخل الضار بالمصلحة العامة في أعمال الوظيفة ممن لا اختصاص له في ذلك أو قبول ذلك التدخل.

حددت المادة الثانية العقوبات التي يجوز إنزالها على مرتكب جريمة الغدر و هي

‌أ.······ العزل من الوظائف العامة.

‌ب.· سقوط العضوية في مجلسي البرلمان أو المجالس البلدية أو القروية أو مجالس المديريات.

‌ج.·· الحرمان من حق الانتخاب أو الترشيح لأي مجلس من المجالس سالفة الذكر لمدة أقلها خمس سنوات من تاريخ الحكم.

‌د.···· الحرمان من تولي الوظائف العامة لمدة أقلها خمس سنوات من تاريخ الحكم.

‌ه.···· الحرمان من الانتماء إلى أي حزب سياسي مدة أقلها خمس سنوات من تاريخ الحكم.

‌و.···· الحرمان من عضوية مجالس إدارة الهيئات أو الشركات أو المؤسسات التي تخضع لإشراف السلطات العامة ومن أية وظيفة بهذه الهيئات لمدة أقلها خمس سنوات من تاريخ الحكم.

‌ز.····· الحرمان من الاشتغال بالمهن الحرة المنظمة بقوانين أو المهن ذات التأثير في تكوين الرأي أو تربية الناشئة أو المهن ذات التأثير في الاقتصاد القومي مدة أقلها خمس سنوات من تاريخ الحكم.

‌ح.·· الحرمان من المعاش كله أو بعضه.

و يجوز الحكم أيضاً بإسقاط الجنسية المصرية عن الغادر كما يجوز الحكم برد ما أفاده من غدره وتقدر المحكمة مقدار ما يرد.

و أوضحت المادة الثالثة تشكيل المحكمة التي تنعقد للنظر في جريمة الغدر بأنها تؤلف برياسة مستشار من محكمة النقض وعضوية مستشارين من محكمة استئناف القاهرة يعينهم وزير العدل وأربعة ضباط عظام لا تقل رتبة كل منهم عن الصاغ يعينهم القائد العام للقوات المسلحة..

رسمت المادة الرابعة إجراءات التقاضي أمام محكمة الغدر فألزمت أن يتم نظرها خلال خمسة عشر يوما من تاريخ رفعها .. و أجازت للمتهم الاستعانة بمحام واحد فقط لا غير..

خولت المادة الخامسة للمحكمة الحكم في الدعوى في حال عدم حضور المتهم..

قررت المادة السادسة عدم جواز الطعن في الحكم الصادر في الدعوى بأي طريق من طرق الطعن العادية أو غير العادية.

أحالت فيما يخص حفظ النظام في الجلسة و تنحي القضاة و ردهم و نظر الدعوى وفي الشهود والأدلة إلى الأحكام المقررة لذلك في قانون الإجراءات الجنائية..

و قد رأى فريق من الفقه و القضاء أن قانون الغدر بالنصوص سالفة الذكر يحقق مطالب الثورة في محاسبة رموز الفساد في العهد السابق و يضمن عدم انخراطهم مرة أخرى في الحياة السياسية .. فيرون ضرورة و أهمية تطبيق قانون الغدر و تنفيذ ما يتضمنه من عقوبات سياسية يتم حرمان المتهم بناء عليها من ممارسة النشاط السياسي لمدة 5 سنوات الأمر الذي سيمكنا من تجنيب عناصر الفساد من المشاركة في الانتخابات البرلمانية و الرئاسية القادمة لاسيما و أن القانون الجنائي لم ينص علي عقوبات الحرمان السياسي و لم يتناول بأي شكل من الأشكال جريمة الفساد السياسي..

و يتعلل أنصار هذا الرأي بان القانون من تاريخ صدوره عام 52 لم يتم إلغاءه و بالتالي فهو ساري التطبيق و تخضع له الوقائع محل المحاسبة وكل ما في الأمر أن القانون تم إغفاله في الفترة الزمنية السابقة دون أن يتم إلغاءه..

و يضيف مؤيدي قانون الغدر أن القانون أشتمل على عقوبة مهمة للغاية وهي إسقاط الجنسية المصرية و إعمال هذه العقوبة يمكنا من إسقاط الجنسية على كافة عناصر النظام السابق و فلوله المتواجدة خارج السجن.

و قد نفى· أنصار هذا الفكر رغبتهم في الانتقام أو الشماتة في النظام السابق بقدر ما هو مطالبة بالقصاص منهم لما ارتكبوه و انه من الغريب أن يطالب البعض باحترام تطبيق القانون ضد هؤلاء المفسدين في الوقت الذي لم يحترموا هم سلطته وشرعيته..

على الرغم من صواب الرأي السابق في العديد من النقاط و أهدافه النبيلة التي لا ينكرها عليه احد إلا انه ثمة تيار أخر يعارض تطبيق قانون الغدر لعدة أسباب منها ما يرجع لعدم دستوريه و قانونيته و منها ما يرجع لإلغاء القانون ذاته و غيرها من الأسباب نلقي عليها الضوء فيما يلي..

إعادة القانون للعمل مرة أخرى غير عملية و لن تحقق الهدف المرجو منها لما سيضيفه من عبء ثقيل على كاهل المحاكم مما سيترتب عليه تأخير الأحكام بما يتعارض و فكر العدالة الناجزة..

لا حاجة إلى قانون الغدر فالقانون و القضاء العادي به من المواد ما يكفل محاكمة عناصر الفساد في كل الجرائم المنسوبة لهم دون الحاجة لقانون استثنائي لمعاقبتهم سواء لما ارتكبوه من جرائم إهدار المال العام أو جرائهم من القتل و التعذيب و غيرها.

أن قانون الغدر قانون غير دستوري انتهك قاعدة دستورية لا جدال فيها و هي عدم جواز رجعية النصوص العقابية علي أفعال لا يعلم مرتكبوها وقت ارتكابهم إياها أنهم سيحاسبون بناء عليها فلا يجوز أن يجرم المشرع فعل كان مباح وقت إتيانه ثم يتم تجريمه بعد ذلك و هو ما تم في قانون الغدر الذي صدر في ‏1952 ليجرم أفعال تمت من أول سبتمبر سنة 1939 كما جاء بمادته الأولى..

قانون الغدر صدر في ظروف مؤقتة و هي حماية ثورة 23 يوليو و بانتهاء ذلك الظرف انتهى العمل بالقانون ناهيك أن صدور دستور ‏1956 و صدور قوانين العزل السياسي التي ألغيت هي الأخرى نسخت قانون الغدر إذا فقانون الغدر قانون استثنائي صدر في ظروف تاريخية معينة لتجريم وقائع معينة لم تكن مجرمة وقتها أو لمحاسبة أشخاص وفقاً لإجراءات استثنائية وسريعة وأمام محاكم استثنائية تضم عناصر غير قضائية..

قانون الغدر شكل محكمته من أعضاء غير القضاة إذ حددت المادة الثالثة أعضاء المحكمة التي تختص بالنظر في جريمة الغدر بان تؤلف برياسة مستشار من محكمة النقض وعضوية مستشارين من محكمة استئناف القاهرة يعينهم وزير العدل وأربعة ضباط عظام لا تقل رتبة كل منهم عن الصاغ يعينهم القائد العام للقوات المسلحة و هي بذلك تكون محكمة غير دستورية لان المتهم يقف أمام غير قاضيه الطبيعي لأنها تضم في عضويتها ضباطا ليسوا قضاة..

قانون الغدر لم يصدر من السلطة التشريعية المختصة بالتشريع و إنما صدر من مجلس قيادة الثورة رغم عدم اختصاصه بالتشريع..

محكمة الغدر تفتقر إلى ضمانة أساسية من ضمانات الدفاع إذ أجاز القانون حضور محام واحد في حين أن حضور المحامي في قضايا الجنايات وجوبي وليس جوازياً , مما يعني أن حضور المحامي مع المتهم في هذه المحكمة جوازيا يمكن أن تصرح به أو لا تصرح وإذا صرحت لا تصرح إلا بمحام واحد, وهذا مخالف للدستور المصري الذي ينص في المادة 69 على أن حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول..

كذلك فان قانون الغدر يخل بضمانة أساسية للتقاضي وهي حق التقاضي على درجتين لتلافي ما قد يعيب حكم الدرجة الأولى و هذا وفقا للمستقر في جميع الأنظمة القانونية المختلفة و هو ما خالفه قانون الغدر بان حال بالطعن في الحكم الصادر في الدعوى بأي طريق من طرق الطعن العادية أو غير العادية..

إن إعمال قانون الغدر يخالف مبادئ الشريعة الإسلامية و التي هية وفقا لنص المادة الثانية من الدستور المصدر الرئيسي للتشريع فما رينا الرسول يقيم محاكمات لمحاكمة المشركين بعد فتح مكة..

أخيرا رأي في الجدل المثار حول قانون الغدر

أيما ما كان الجدل فالجميع مؤيد أو معارض و سواء يرون بالغاءه أو يرون بوجوده· و الحاجة فقط لإعادة تفعيله يتفقون على ضرورة تعديل العديد من أحكامه و مادام القانون في جميع الأحوال في حاجة للتعديل و إعادة الصياغة فلما لا يتم إصدار تشريع أكثر ملائمة لواقعنا الحالي و أكثر تماشياً مع الأحداث المحيطة بالبلد..

 

شاركنا رأيك