المقالات القانونية

إشكالية نصف الأجر المحروم منه الموظف في حالتي الحبس الاحتياطي أو تنفيذا لحكم جنائي غير نهائي بقلم د/ محمد عبد النبي

إشكالية نصف الأجر المحروم منه الموظف في حالتي الحبس الاحتياطي أو تنفيذا لحكم جنائي غير نهائي بقلم د/ محمد عبد النبي

“الأجر مقابل العمل” قاعدة أصولية مستقرة فقهًا وتشريعًا، واستثناءً من ذلك كفل المشرع استحقاق الموظف للأجر رغم عدم أدائه للعمل أو عدم حضوره، ويتمثل ذلك في عدة صور، منها الإجازات أو الانقطاع القهري وفق ضوابط معينة، أو الوقف بقوة القانون وله عدة صور منها الحبس الاحتياطي أو تنفيذاً لحكم جنائي غير نهائي، ويستحق خلال مدة حبسه أو سجنه نصف راتبه.

“فلسفة في ضوء التشريع والقضاء عن الموظف حال الحبس الاحتياطي أو تنفيذا لحكم جنائي غير نهائي في تقاضي نصف الأجر الآخر الموقوف أو المحروم منه عند ثبوت عدم مسئوليته الجنائية والتأديبية”

وتكمن فلسفة المشرع من عدم حرمان الموظف من كامل أجره خلال مدة الحبس أو السجن في عدم ثبوت الجريمة بشكل نهائي من جانب، ومن جانب آخر رعاية للموظف وأسرته من التعرض لخطر الانقطاع المفاجئ للدخل، نتيجة الحالتين المشار إليهما، إذ أن الحبس الاحتياطي ما هو إلا إجراء مؤقت من إجراءات التحقيق لم تنته به الدعوى الجنائية، وأما الحكم الجنائي غير النهائي لاحتمالية إلغائه؛ لذا قرر المشرع منح الموظف نصف راتبه خلالهما.

أما بشأن النصف الآخر فقد تباينت الأحكام على مدار تطور قوانين العاملين المدنيين بالدولة، إذ قررت المادة (96) من قانون نظام موظفي الدولة رقم 210 لسنة 1951 أنه بعد انتهاء مدة الحبس يقرر وكيل الوزارة ما يتم بشأن صرف النصف الآخر حسب الأحوال التي تتبين له. وأعقبه القانون رقم (46) لسنة 1964 بشأن نظام العاملين المدنيين بالدولة وقررت المادة (65) منه أن يوقف صرف نصف مرتب الموظف في حالة الحبس الاحتياطي ويحرم من أجره في حالة تنفيذ حكم جنائي، ثم عند العودة يُعرض أمره على السلطة المختصة لتقرير ما يتبع بشأن مسئوليته التأديبية، فإذا اتضح عدم مسئوليته صرف له نصف الأجر الآخر الموقوف. وتلاهما القانون رقم (58) لسنة 1971 بشأن نظام العاملين المدنيين بالدولة وفرقت المادة (61) منه بين حالة الحبس الاحتياطي أو تنفيذ حكم جنائي غير نهائي وبين حالة حكم جنائي نهائي، إذ في الحالة الأولى يوقف صرف نصف أجره، وعقب عودته يعرض أمره على السلطة المختصة، لتقرير ما يتبع في شأن مسئوليته التأديبية، فإذا تبين عدم المسئولية يتم صرف نصف الأجر الأخر الموقوف،  أما في الحالة الثانية فيحرم من كامل أجره. وسار على ذات النهج القانون رقم (47) لسنة 1978 بشأن نظام العاملين المدنيين بالدولة في المادة (84).

وجاء قانون الخدمة المدنية بصورتيه الأولى بالقرار بقانون رقم (18) لسنة 2015 والثانية بالقانون رقم (81) لسنة 2016 واستحدث عدة تغييرات في القواعد، وذلك للدلالة على رؤيته وفلسفته الجديدة، إذ أوضحت المحكمة الدستورية العليا أن الاختلاف بين الأحكام التشريعية التي تضمنها قانون الخدمة المدنية عن تلك التي كانت في قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة، كانت غايته الاستجابة لمقتضيات الحال، وتغير الواقع عبر المراحل الزمنية المختلفة، لمواكبة التطور الذى سعى إلى تحقيقه بالنسبة للوظيفة العامة والموظف العام. (يراجع حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم (81) لسنة 41 ق. دستورية. جلسة 5 يونيه 2021)

ومن تلك المستجدات في قانون الخدمة المدنية ما قننته المادة (64)، إذ سكت المشرع عن تقرير ذات الحكم في القوانين السابقة وهو تحديد موقف نصف الأجر الآخر بعد البراءة أو عدم ثبوت المسئولية الجنائية، إذ استخدم لفظ (يُحرم) وليس “يُوقف” كما في السابق؛ وهذا ما انتهت إليه الجمعية العمومية للفتوى والتشريع، إذ أوردت: “استخدم المشرع لفظ (الحرمان)، وليس (الوقف) كما في القانون السابق، إذ أن المغايرة في اللفظ تقتضي المغايرة في الحكم، فالمشرع عندما كان يستخدم لفظ وقف نصف الأجر وفقًا لأحكام قانون العاملين المدنيين بالدولة المُلغى كان ذلك بمثابة تأجيل استحقاق النصف الآخر إلى حين عودة العامل إلى عمله والوقوف على مدى مسئوليته التأديبية عن الواقعة التي تم حبسه بشأنها، أما لفظ الحرمان الذى استخدمه المشرع في قانون الخدمة المدنية فلا يستفاد منه التأجيل، ومن ثم اقتضى الأمر اختلاف الحكم وانصراف أثر الحرمان إلى عدم استحقاق النصف الموقوف صرفه”. (فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة رقم 86/4/1915 جلسة 12/4/2017. والفتوى رقم 86/4/2048 جلسة 8/5/2019)

ويتضح مما تقدم، أن المشرع في السابق كان أكثر انصافا وعدالة من حكمه في القانون الراهن في تلك المسألة، وهي حرمان الموظف من نصف أجره الآخر لمجرد وقوعه تحت وطأة الاتهام، فلا يجوز أن نعاقبه على ما يُنسب إليه دون صدور حكم قضائي نهائي، يثبت ذلك الاتهام أو ينفيه، حيث إنه من القواعد الأصولية والأحكام الدستورية أن الأصل في الإنسان البراءة حتى تثبت إدانته؛ وعليه لا يجوز أن يتم حرمان الموظف المحبوس احتياطيًا أو تنفيذا لحكم جنائي غير نهائي عند ثبوت براءته أو عدم مسئوليته الجنائية من نصف أجره الآخر. (محمد عبدالنبي عبداللاه. التطور التاريخي لتشريعات حماية العمال في مصر. رسالة دكتوراه كلية الحقوق جامعة بنها. 2022. ص352 و353)

وحيث أعادت المحكمة الدستورية العليا الأمور لمسارها الصحيح، عندما قررت مؤخرًا في الدعوى (100) لسنة 43ق دستورية جلسة 4/11/2023 عدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة (64) من قانون الخدمة المدنية فيما تضمنته من حرمان الموظف الذي يُحبس احتياطيا من نصف أجره عن مدة حبسه، في حالات انتفاء المسئولية الجنائية بحكم نهائي أو قرار قضائي لا يجوز الطعن عليه، تأسيسًا على إلزام دستور 2014 في مادته رقم (54) بالتعويض عن الحبس الاحتياطي أو عن تنفيذ عقوبة صدر حكم بات بإلغائها، وأضافت المحكمة أن النص المحال يناقض أصل البراءة بما يوجب القضاء بعدم دستوريته.

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع نظم تلك المسألة اتفاقا وقواعد العدالة في قانون العمل الراهن رقم (12) لسنة 2003 في المادة رقم (67)، والتي أوضحت أنه في حالة اتهام العامل بارتكاب جناية أو جنح معينة وتم وقفه عن العمل يُصرف له نصف أجره، وإذا لم يقدم للمحاكمة من الأساس أو قُدم وقضيَ ببراءته وجب إعادته للعمل وصرف مستحقاته كاملة وإلا اعتبر عدم إعادته فصلاً تعسفيًا؛ ولذلك أقرت محكمة النقض أحقية العامل للتعويض في حالة إنهاء خدمته لارتكاب جريمة وصدور حكم بالبراءة ولم يقم صاحب العمل بإعادته للعمل. (يراجع الطعن رقم 2687 لسنة 88 ق جلسة 23/10/2019)

ونضيف إلى ما تقدم، أن انقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح وفقا لحكم المادة (174) من قانون الإجراءات الجنائية يرتب زوال كافة آثارها، بل ومعادلة آثر ذلك الحكم البراءة، وهذا ما أكدته المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم (118) لسنة 32 ق جلسة 4/12/2021؛ ولذلك أرست الجمعية العمومية لقسمي الفتوى التشريع بمجلس الدولة قاعدة، مفادها أن انقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح يحول دون انهاء خدمة الموظف، على الرغم من صراحة حكم المادة (69بند 9) الذي يوجب انهاء الخدمة للحكم عليه بعقوبة جناية أو بعقوبة مقيدة للحرية في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة أو تفقده الثقة والاعتبار، لأن الصلح يعادل في أثره البراءة. (الفتوى في فتواها في الملف رقم 86/2/397، جلسة 15/4/2020)

فإذا كان التصالح (والذي يعني ثبوت الجريمة) يرتب ذلك الأثر ـ عدم إنهاء خدمة الموظف ـ لأنه يعادل البراءة، فمن باب أولى أن يتم صرف نصف الراتب الآخر في حالة حبس الموظف تنفيذا لحكم جنائي ـ ولو نهائي ـ وتم التصالح وتم القضاء بذلك، لأن ذلك القضاء يعادل في أثره البراءة.

ليس ما تقدم وحسب، بل حتى لو صدر حكم جنائي نهائي في جناية أو جنحة وكان مقروناً بوقف تنفيذ العقوبة وجميع آثارها الجنائية المترتبة على هذا الحكم، حيث سبق وأن انتهت المحكمة الإدارية العليا إلى عدم جواز إنهاء خدمة الموظف العام في حالة صدور جنائي نهائي في جناية أو جنحة إذا كان مشمولًا بوقف تنفيذ العقوبة وآثارها. (مجلس الدولة. المكتب الفني. مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا. السنة العاشرة. العدد الثاني من أول فبراير سنة 1965 إلى آخر مايو سنة 1965. ص913. جلسة 17 مارس 1956)

نخلص مما سبق، أحقية الموظف في صرف نصف مرتبه الأخر المحروم منه نتيجة حبسه احتياطيًا أو تنفيذا لحكم جنائي غير نهائي، وصدور حكم ببراءته أو ثبوت عدم مسئوليته الجنائية والتأديبية، وكذا أحقيته في حالة انقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح، وكذلك في حالة صدور جنائي نهائي في جناية أو جنحة إذا كان مشمولًا بوقف تنفيذ العقوبة وكافة آثارها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى